
الأرشيف الحي: عن أمالا
منذ أن كان الإنسان في ترحالٍ دائم، كانت الأصوات تسافر معه. أغانٍ وإيقاعات وقصائد وحكايات، تتبدّل مع كل راوي، وتحيا في النفَس لا في السطور. هكذا رُسمت الطرق، بالفطرة والحاجة. عبر التاريخ، سارت القوافل بمحاذاة ساحل البحر الأحمر، تقرأ الأرض من ضوء النهار، ومن حركة الريح، ومن إشارة الماء. مخيّمات تُقام ثم تزول مع الفصول، ولا يبقى منها أثر في الرمال، بل صدى في الذاكرة، يحمله العابرون معهم حيثما مضوا.
وعلى امتداد هذه المسارات، لم يكن التبادل محصورًا في السلع. الحكايات عبرت الصحاري والشواطئ، تشكّلت من جديد مع كل لقاء، وتعلّمت اللغات كيف تترك أثرها ثم تواصل الرحلة. امتصّت الأرض هذه التنقلات كذكرى، وحفظت طبقات من الحضور لا تزال تظهر في أماكن غير متوقعة، وبطرق ملهمة وخفيّة.
من هذا الإرث المتراكم، تنشأ وجهة أمالا على أرضٍ تعلّمت الإصغاء عبر قرون من العبور. على سواحل البحر الأحمر في شمال غرب المملكة العربية السعودية، حيث تقاطعت الطرق وتبدّلت الوجوه وبقي الأثر، تتشكّل وجهة متصلة بالإنسان والمكان بعمق.
في هذه الوجهة، لا تُقاس الحركة بالمسافة، بل بالانسجام، ويصبح التوقّف والتأمل والإصغاء فعلًا من أفعال التوازن.
تستقبل أمالا أول ضيوفها هذا العام مع اكتمال المرحلة الأولى التي تُعد امتدادًا طبيعيًا لذاكرة الأرض وبدايتها الجديدة.
في هذه التجربة السمعية، تبدأ الرحلة باستحضار الحكايات التي عبرت يومًا ساحل البحر الأحمر، متنقّلة بين الحلّ والترحال. تتصاعد أصوات صاغتها الرحلات الطويلة، تتتابع واحدة تلو الأخرى، ثم تلتقي تدريجيًا في نسيجٍ صوتيٍّ مشترك. تمكث قليلًا، تعود، وتتكرّر ومع تحرّك الصوت في الفضاء، تنشأ دعوة خفيّة للإصغاء، وللحضور الكامل في اللحظة.
يتكوّن العرض من أربعة فصول. يبدأ بموالٍ وأهازيج مستوحاة من الإرث الساحلي العريق في المملكة العربية السعودية، ثم ينتقل إلى تشكيلٍ صوتيٍّ مستلهم من الطبيعة، حيث تتنقّل أصوات الخطوات والرياح وأمواج البحر في الفضاء، قبل أن تتلاشى وتُمهِّد للفصل الثالث.
هنا، يتجاوب صوت الناي مع أصوات الطبيعة، لتكون بمثابة افتتاحية لقصيدة شعرية مستوحاة أساليب الترحيب والسلام في سواحل البحر الأحمر. أمّا الفصل الختامي، فيستمدّ روحه من أداء الرفيحي الفني، حيث يتصاعد الإيقاع ويتحوّل إلى حركة جماعية، تُختَم بها التجربة في لحظة مشتركة من الاحتفاء بثقافة لا تزال تولّد الإلهام بماضيها وحاضرها.
ابقَ على اطلاع
اشترك في النشرة البريدية؛ لتكون أول من يعلم بآخر أخبار الوجهات، وأحدث التجارب، وأفضل العروض